|
موسى وهارون عليهما السلام
الجزء الثالث
===================
|
|
ويلتفت السياق إلى موسى وهارون.. وماذا كان من أمر بني إسرائيل معهما..
لقد مات فرعون مصر.. غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل.. ورغم موته، فقد
ظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهر
الطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام.
لقد صنع فرعون في نفوس بني إسرائيل شيئا سندركه من الآيات بعد قليل.. لقد
عودهم الذل لغير الله.. كسر في نفوسهم شيئا من الداخل.
هزم أرواحهم، فانطووا شأن المهزومين على الإعجاب بمن هزمهم.. أفسد فطرتهم
فعذبوا موسى عذابا شديدا بالعناد والجهل.. كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية
في أذهانهم.
كانت رمال البحر رطبة لم تزل عالقة بنعال بني إسرائيل، حين مروا على قوم
يعبدون الأصنام.. وبدلا من أن يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل، ويحمدوا
الله أن هداهم للإيمان.. بدلا من ذلك التفتوا إلى موسى وطلبوا منه أن يجعل
لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس.. وليس هناك أحد أحسن من أحد..
أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام، ورغبوا في مثلها، وعاودهم الحنين لأيام
الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهم موسى إلى جهلهم هذا.
|
|
قال تعالى:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا
إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ
فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ
فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
سار موسى بقومه في سيناء.. وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيها
طعام ولا ماء.. وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام..
والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة، حملت الرياح
إليهم هذه المادة مغلفة في أوراق الشجر. وساق الله إليهم السلوى، وهو نوع
من أنواع الطيور يقال إنه (السمان). وحين اشتد بهم الظمأ إلى الماء، وسيناء
مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا
من المياه.. وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى 12 سبطا. فأرسل الله المياه لكل
مجموعة. ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة..
واحتج قوم موسى بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل
والثوم والفول والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية.. وهكذا سأل
بنو إسرائيل نبيهم موسى أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة.
وعاد موسى يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيف
أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه.
قال تعالى في سورة البقرة:
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ
لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا
وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ
الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ
لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ
سار موسى بقومه في اتجاه البيت المقدس. أمر موسى قومه بدخولها وقتال من
فيها والاستيلاء عليها.
ها قد جاء امتحانهم الأخير.. بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات
والخوارق.. جاء دورهم ليحاربوا –بوصفهم مؤمنين- قوما من عبدة الأصنام.
ورفض قوم موسى دخول الأراضي المقدسة. وحدثهم موسى عن نعمة الله عليهم. كيف
جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون، وآتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِ
أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ.
وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال. قالوا: إن فيها قوما جبارين، ولن
يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء.
|
|
وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم. تقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة
ألف.. لم يجد موسى من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال.. وراح هذان
الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال.. قالا: إن مجرد دخولهم
من الباب سيجعل لهم النصر.. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن
ويرتعشون في أعماقهم..
مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون على
أصنامهم.. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد في
استطاعتهم أن يحاربوا.. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله موسى
وربه..
وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة:
فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
هكذا بصراحة وبلا التواء.
أدرك موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء. مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس
باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة. عاد موسى إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلا
نفسه وأخاه.. دعا موسى على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم..
وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل.. كان
الحكم هو التيه أربعين عاما.. حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة..
ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن
يقاتل وأن ينتصر. قال تعالى في سورة المائدة:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم
مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا
الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا
عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ
فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ
مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ
رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا
ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ
غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)
قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا
فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ
رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ
عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى
الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
بدأت أيام التيه.. بدأ السير في دائرة مغلقة.. تنتهي من حيث تبدأ، وتبدأ من
حيث تنتهي، بدأ السير إلى غير مقصد.. ليلا ونهارا وصباحا ومساء. دخلوا
البرية عند سيناء..
عاد موسى إلى نفس المكان الذي التقى فيه بكلمات الله أول مرة.. نزل بنو
إسرائيل حول الطور وصعد موسى الجبل وحده.. وهناك أنزلت عليه التوراة..
وكلمه ربه تعالى.. قبل أن يصعد موسى إلى ميقات ربه، استخلف أخاه هارون في
قومه. تركه مسئولا عنهم ومضى إلى ربه.
|
|
قال تعالى في سورة الأعراف:
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ
مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
قال القدماء إن موسى صام ثلاثين يوما ليلا ونهارا بغير أن يذوق طعاما قط،
ثم كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول من نبات الأرض فمضغه،
فقال له ربه: لماذا أفطرت؟ وهو أعلم بما كان. قال: أي رب، كرهت أن أكلمك
إلا وفمي طيب الريح. قال أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من
ريح المسك؟ ارجع فصم عشرة أيام ثم ائتني. ففعل عليه السلام ما أمره ربه به.
ونحن لا نعرف –معرفة يقينية- لماذا صام موسى أربعين ليلة بدلا من ثلاثين.
كل ما نعرفه أن الله تعالى قد زاد على الثلاثين ليلة عشر ليال أخرى من
الصوم وأنزلت التوراة على موسى. أنزلت عليه الوصايا العشر. وكانت هذه
الوصايا العشر هي:
1- الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له.
2- النهي عن الحلف بالله كذبا.
3- الأمر بالمحافظة على السبت (بمعنى تفريغ يوم من أيام الأسبوع للعبادة).
4- الأمر بإكرام الأب والأم.
5- معرفة أن الله وحده هو الذي يعطي ويمنح.
6- لا تقتل.
7- لا تزن.
8- لا تسرق.
9- لا تشهد شهادة زور.
10- لا تمدن عينيك إلى بيت صاحبك أو امرأته أو عبده أو ثوره أو حماره.
قال علماء السلف إن مضمون هذه الوصايا العشر قد تضمنته آيتان من القرآن،
هما قوله تعالى في سورة الأنعام:
قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ
أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ
تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ
الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا
إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ
|
|
يقص الله تبارك وتعالى علينا ماذا كان من أمر موسى حين ذهب لميقات ربه. كان
موسى بصومه –أربعين ليلة- يقترب من ربه أكثر.. وكان موسى بتكليم الله له
يزداد حبا في ربه أكثر.. ونحن لا نعرف أي مشاعر كانت تجيش في قلب موسى عليه
الصلاة والسلام حين سأل ربه الرؤية. أحيانا كثيرة يدفع الحب البشري الناس
إلى طلب المستحيل.. فما بالك بالحب الإلهي، وهو أصل الحب..؟ إن عمق إحساس
موسى بربه، وحبه لخالقه، واندفاعه الذي لم يزل يميز شخصيته.. دفعه هذا كله
إلى أن يسأل الله الرؤية. قال تعالى في سورة الأعراف:
وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ
أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ
هكذا باندفاع العاشقين الكبار سأل موسى ربه ما سأل. وجاءه رد الحق عز وجل:
قَالَ لَن تَرَانِي
ولو أن الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا، لكان هذا عدلا منه
سبحانه، غير أن الموقف هنا موقف حب الهي من جانب موسى. موقف اندفاع يبرره
الحب ولهذا أدركت رحمة الله تعالى موسى. أفهمه أنه لن يراه، لأن أحدا من
الخلق لا يصمد لنور الله.. أمره أن ينظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف
يراه.
قال تعالى:
وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ
تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ
موسَى صَعِقًا
لا يصمد لنور الله أحد. أدرك موسى هذه الحقيقة وعاينها بنفسه. والصعق هو
الموت أو الإغماء. ونحن لا نعرف الفترة التي قضاها موسى غائبا عن حياته أو
وعيه.. غير أنه حين أفاق..
فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ
الْمُؤْمِنِينَ
وقف المفسرون القدماء كثيرا أمام هذه الآيات. تساءلوا مثلا: كيف يطلب موسى
رؤية الله مع علمه بأنها غير ممكنة؟
وتنازعوا في ذلك فذهب المعتزلة إلى رأي، وذهب أهل السنة إلى رأي، وكان مدار
الحديث كله كيف لا يعلم النبي وهو أقرب خلق الله إليه أن رؤية الله مستحيلة..
وهكذا انصرفنا عن عمق الآيات البعيد، ورحنا نبحث حول جزئيات لا تغني ولا
تسمن..
أعتقد أن هذا الموقف موقف موسى يمثل قمة من قمم الحب، وعمقا من أعماق الوجد
–لا مثيل له في كل سيرة موسى. نحن أمام ذروة الحب لله..
والمحب لا يريد غير الرؤية، ورؤية الله عز وجل مستحيلة، هذا هو منطق العقل
والأعصاب، لكن.. متى كان الحب يعبأ بالمنطق أو يستمع للأعصاب..؟! وهكذا
يندفع موسى إلى التجربة وهي تجربة قام بها بدلا عنا جميعا.. كان أجرأنا في
الطلب، وكان أسبقنا إلى الصعق، وأثبت لنا بجسده الكريم وروحه الطاهر أن
أحدا لا يصمد لنور الله..
|
|
ها هو ذا يفيق فيمجد الله ويتوب إليه ويستغفره..
قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
من أي شيء كان موسى يتوب..؟ قال الصوفية كان يتوب من اندفاعة عاشق عظيم سأل
المحال وهو يعلم أنه محال..
وذلك تفسير مقنع.. يؤيد ذلك سياق الآيات.. انظر إلى آيات الله وكيف يستلفته
إلى ما أنعم عليه من نعم، قال تعالى لموسى:
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي
وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً
وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ
يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
وقف كثير من المفسرين أمام قوله تعالى لموسى:
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي
وأجريت مقارنات بينه وبين غيره من الأنبياء. فقيل إن هذا الاصطفاء كان خاصا
بعصره وحده، ولا ينسحب على العصر الذي سبقه لوجود إبراهيم فيه، وإبراهيم
خير من موسى، أيضا لا ينطبق هذا الاصطفاء على العصر الذي يأتي بعده، لوجود
محمد بن عبد الله فيه، وهو أفضل منهما.
ونحب أن نبتعد عن هذا الجدال كله. لا لأننا نعتقد أن كل الأنبياء سواء..
إذا إن الله سبحانه وتعالى يحدثنا أنه فضل بعض النبيين على بعض، ورفع درجات
بعضهم على البعض. غير أن هذا التفضيل ينبغي أن يكون منطقة محرمة علينا،
ولنقف نحن في موقع الإيمان بجميع الأنبياء لا نتعداه. ولنؤد نحوهم فروض
الاحترام على حد سواء. لا ينبغي أن يخوض الخاطئون في درجات المعصومين
المختارين من الله.. ليس من الأدب أن نفاضل نحن بين الأنبياء.. الأولى أن
نؤمن بهم جميعا.
|
|
انتهى ميقات موسى مع ربه تعالى.. وعاد غضبان أسفا إلى قومه.. لم يكن في
الوجود كله إنسان في مثل رضاه.. لكنه يعلم من ربه أنباء تسوءه فينقلب إلى
قومه غضبان أسفا..
قال تعالى في سورة طه:
وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى
أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ
فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ
مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا
انحدر موسى من قمة الجبل وهو يحمل ألواح التوراة، قلبه يغلي بالغضب والأسف.
نستطيع أن نتخيل انفعال موسى وثورته وهو يحث خطاه نحو قومه.
لم يكد موسى يغادر قومه إلى ميقات ربه.. حتى وقعت فتنة السامري. وتفصيل هذه
الفتنة أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر، صحبوا معهم كثيرا من حلي المصريين
وذهبهم، أخذوه للتمتع به في احتفالهم الذي ادعوه، ثم نجوا بعد معجزة شق
البحر، وانطبق البحر على فرعون وجنوده فغرقوا، وصار ما معهم من الذهب ملكا
لهم.. ويبدو أن هارون عليه السلام، أدرك أن هذا الذهب ليس من حقهم، فأخذه
ودفنه في الأرض.. لم يكن القوم في حاجة إليه.. كانوا يعيشون في التيه..
يسيرون وسط صحراء لا ينفعهم فيها الذهب. حفر هارون شقيق موسى حفرة وألقى
فيها الذهب وأهال عليه التراب. ورآه السامري وهو يدفن الذهب فاستخرجه بعد
ذلك وصهره، وصنع منه تمثالا لعجل يشبه العجل أبيس، معبود المصريين، وكان
السامري فيما يبدو نحاتا محترفا أو صائغا سابقا، فصنع العجل مجوفا من
الداخل، ووضعه في اتجاه الريح، بحيث يدخل الهواء من فتحته الخلفية ويخرج من
أنفه فيحدث صوتا يشبه خوار العجول الحقيقية..
ويقال إن سر هذا الخوار، أن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب سار عليه
جبريل عليه السلام حين نزل إلى الأرض في معجزة شق البحر.. أي أن السامري
أبصر بما لم يبصروا به، فقبض قبضة من أثر الرسول –جبريل عليه السلام-
فوضعها مع الذهب وهو يصنع منه العجل.. وكان جبريل لا يسير على شيء إلا دبت
فيه الحياة.. فلما أضاف السامري التراب إلى الذهب، ثم صنع منه العجل، خار
العجل كالعجول الحقيقية..
هذه قصة السامري التي ألقاها لموسى، ونعتقد أنه كاذب.. إن كفره يرجح عندنا
كذبه. نعلم الآن أن التراب إذا أضيف إلى الذهب وصهر، انفصل التراب من الذهب
وترك تجويفا في مكان انفصاله. وأغلب الظن أن السامري استخدم هذا التراب،
كأي تراب آخر، في صنع تجويف داخل العجل، بحيث تحول التمثال إلى تمثال له
صوت..
|
|
بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه..
سألوه: ما هذا يا سامري؟
قال: هذا إلهكم واله موسى!
قالوا: لكن موسى ذهب لميقات إلهه.
قال السامري: لقد نسي موسى. ذهب للقاء ربه هناك، بينما ربه هنا.
وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب وخرجت من فمه فخار العجل.
وعبد بنو إسرائيل هذا العجل.. لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة.. كيف يمكن
الاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة..؟! لقد وقعت لهم معجزات هائلة.. فكيف
ينقلبون إلى عبادة الأصنام في لحظة..؟ تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسية
القوم الذين عبدوا العجل. لقد تربوا في مصر، أيام كانت مصر تعبد الأصنام
وتقدس فيما تقدس العجل أبيس، وتربوا على الذل والعبودية، وانكسر داخل
أنفسهم شيء، التوى في فطرتهم شيء، ومرت عليهم معجزات الله فصادفت نفوسا
تالفة الأمل. لم يعد هناك ما يمكن أن يصنعه لهم أحد. إن كلمات الله لم
تعدهم إلى الحق، كما أن المعجزات الحسية لم تقنعهم بصدق الكلمات، ظلوا داخل
أعماقهم من عبدة الأوثان. كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء. ولهذا
السبب انقلبوا إلى عبادة العجل..
ولم يكن انقلابهم هذا مفاجأة لنا نحن أهل هذا الزمان، فإنهم بعد خروجهم من
معجزة شق البحر شاهدوا قوما يعبدون الأصنام فسألوا موسى أن يجعل لهم آلهة
يعبدونها مثل هؤلاء القوم. المسألة إذن قديمة ومزمنة.. والرغبة في عبادة
الأصنام، هي نفسها عبادة الأصنام، ولقد كان ككل ما فعله السامري، أنه استغل
حنين القوم إلى عبادة الأوثان، استغل حاجة نفسية شبه عامة وحققها لهم حين
قدم إليهم عجله.
وأختار أن يكون العجل ذهبا لأنه يعلم ضعف بني إسرائيل إزاء الذهب عموما.
وهكذا انتشرت فتنة السامري، وفوجئ هارون عليه الصلاة والسلام يوما بأن بني
إسرائيل يعبدون عجلا من الذهب. انقسموا إلى قسمين: الأقلية المؤمنة أدركت
أن هذا هراء. والأغلبية الكافرة طاوعت حنينها لعبادة الأوثان. ووقف هارون
وسط قومه وراح يعظهم. قال لهم: إنكم فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري
جهلكم وفتنكم بعجله.. ليس هذا ربكم ولا رب موسى.
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
ورفض عبدة العجل موعظة هارون. كانوا مجموعة الذين مرت عليهم الكلمات مرور
النسيم بالحجارة. لم تفعل فيها شيئا .. وعاد هارون يعظهم ويذكرهم بمعجزات
الله التي أنقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فأصموا آذانهم ورفضوا كلماته،
واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله حتى عودة موسى..
كان واضحا أن هارون أكثر لينا من موسى، لم يكن يهابه القوم للينه وشفقته.
وخشي هارون أن يلجأ إلى القوة ويحطم لهم صنمهم الذي يعبدونه فتثور فتنة بين
القوم. ويحدث ما يشبه الحرب الأهلية. آثر هارون تأجيل الموضوع إلى أن يحضر
موسى.
كان يعرف أن موسى بشخصيته القوية، يستطيع أن يضع حدا لهذه الفتنة دون إراقة
دماء.
واستمر القوم يرقصون حول العجل..
|
|
كان السامري –لعنه الله تعالى- هو صاحب هذه الفتنة القديمة.. فتنة الرقص
والتواجد حول الأوثان، وهي فتنة لم تزل مظاهرها حية إلى اليوم رغم اندثار
عبادة الأوثان، يقوم بها الناس في زماننا بحسن نية دون أن يدركوا أصلها
القديم وكونها ديانة الكفار وعباد العجل.
أورد القرطبي في الجزء الحادي عشر في تفسيره لفتنة السامري.. هذه المسألة..
قال: "سئل الإمام أبو بكر الطرطوشي: ما يقول سيدنا الفقيه في جماعة من رجال،
يكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون
بالقضيب على شيء من الأديم.. ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه..
ويحضرون شيئا يأكلونه.. هل الحضور معهم جائز أم لا.. أفتونا مأجورين".
أجاب القرطبي عن هذه المسألة نقلا عن أستاذه قال: "مذهب الصوفية (يقصد
الراقصين) بطالة وجهالة وضلالة. وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله.
وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثهما فأصحاب السامري. لما اتخذ لهم عجلا
جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون. فهو دين الكفار وعباد العجل.
وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه وكأنما على رءوسهم
الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد
وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم. ولا أن يعينهم
على باطلهم. هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل وغيرهم من
أئمة المسلمين.. وبالله التوفيق".
انتهى كلام القرطبي المتصل بهذه المسألة. فتأمل مضاء ذهنه وتقواه، وربطه
لبدعة الرقص الصوفي الحديث بعبادة العجل القديم والرقص حوله.
انحدر موسى عائدا لقومه فسمع صياح القوم وجلبتهم وهم يرقصون حول العجل..
توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول:
بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ
|
|
اتجه موسى نحو هارون وألقى ألواح التوراة من يده على
الأرض. كان إعصار الغضب داخل موسى يتحكم فيه الآن تماما.
مد موسى يديه وأمسك هارون من شعر رأسه وشعر لحيته وشده نحوه وهو يرتعش. قال
موسى:
يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا
تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
إن موسى يتساءل هل عصى هارون أمره. كيف سكت على هذه الفتنة؟ كيف طاوعهم على
البقاء معهم ولم يخرج ويتركهم ويتبرأ منهم؟ كيف سكت عن مقاومتهم أصلا؟ إن
الساكت عن الخطأ مشترك فيه بشكل ما. زاد الصمت عمقا بعد جملة موسى الغاضبة.
وتحدث هارون إلى موسى. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته. بحق انتمائهما لأم
واحدة.. وهو يذكره بالأم ولا يذكره بالأب ليكون ذلك أدعى لاستثارة مشاعر
الحنو في نفسه.
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي
أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضاء بموقف عبدة العجل. إنما
خشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى مسؤولا
عنهم، وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله موسى كيف فرق بينهم
ولم ينتظر عودته.
إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ
تَرْقُبْ قَوْلِي
|
|
أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه حين
قاومهم. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته حتى لا يشمت به الأعداء، ويستخف به
القوم زيادة على استخفافهم به. أفهمه أنه ليس ظالما مثلهم عندما سكت عن
ظلمهم.
قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ
يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أدرك موسى أنه ظلم هارون في غضبه الذي أشعلته غيرته على الله تعالى وحرصه
على الحق.. أدرك أن هارون تصرف أفضل تصرف ممكن في هذه الظروف.. ترك رأسه
ولحيته واستغفر الله له ولأخيه.. التفت موسى لقومه وتساءل بصوت لم يزل
يضطرب غضبا:
يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ
عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن
رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي
إنه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم بإشارة سريعة إلى غباء ما عملوه.
عاد موسى يقول غاضبا أشد الغضب:
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن
رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُفْتَرِينَ
لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم رءوسهم وأدركوا
خطأهم.. كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به موسى.
أبعد كل ما فعله الله تعالى لهم، ينكفئون على عبادة الأصنام..؟! أيغيب موسى
أربعين يوما ثم يعود ليجدهم يعبدون عجلا من الذهب..
أهذا تصرف قوم، عهد الله إليهم بأمانة التوحيد في الأرض؟
pages 1
2
الجزء الاول
الجزء الثاني
|