|
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً
قالوا أهذا هو الخليفة الذي حدثتنا عن إفساده في الأرض
وسفكه للدماء، أم خليفة غيره؟ وقال تفسير "في ظلال القرآن": إن الملائكة
بفطرتهم البريئة التي لا تتصور إلا الخير والنقاء قد حسبوا أن التسبيح بحمد
الله وتقديسه هو الغاية المطلقة للوجود، وهذه الغاية متحققة بوجودهم هم،
وسؤالهم يصور دهشتهم ولا يعبر عن اعتراض من أي نوع.
رأينا كيف اجتهد كل واحد من المفسرين لكشف الحقيقة. فكشف الله لكل واحد
فيهم عمقا منها.. وإنما أوقع في الحيرة عمق القرآن.. وتقديم القصة بأسلوب
الحوار، وهو أسلوب بالغ التأثير والنفاذ. إن الله تعالى يحكي لنا القصة
بأسلوب الحوار، وليس من الضروري أن تكون قد وقعت بنفس هذا الأسلوب.. ألا
ترى أن الله تعالى يقول في سورة (فصلت): ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ هل يتصور أحد من الناس أن الله عز وجل قد خاطب السماء والأرض، وردت عليه
السماء والأرض ووقع بينهما هذا الحوار..؟ إنما يأمر الله تعالى السماء
والأرض فتطيع السماء والأرض. وإنما صور الله ما حدث بأسلوب الحوار لتثبيته
في الذهن، وتأكيد معناه وإيضاحه.
لذلك نرى أن الله تعالى حين قرر خلق آدم، حدث ملائكته من باب إعلامهم كي
يسجدوا له، لا من باب أخذ رأيهم أو استشارتهم.. تعالى الله عن ذلك علوا
كبيرا. حدثهم الله تعالى أنه سيجعل في الأرض خليفة، وأن هذا الخليفة ستكون
له ذرية وأحفاد، وأن أحفاده وذريته سيفسدون في الأرض ويسفكون فيها الدماء.
وقامت الحيرة في نفوس الملائكة الأطهار. إنهم يسبحون بحمد الله، ويقدسون له..
والخليفة المختار لن يكون منهم، فما هو السر في ذلك؟ ما هي حكمة الله تبارك
وتعالى في الأمر؟ لم تستمر حيرة الملائكة وتشوقهم إلى شرف الخلافة في الأرض
ودهشتهم من تشريف آدم بها، لم يستمر هذا الحوار الداخلي طويلا.. ثم ردهم
إلى اليقين والتسليم قوله تعالى:
|