|
حكى الله تعالى قصة الدرس الثالث الذي تعلمه آدم خلال
وجوده في الجنة وبعد خروجه منها وهبوطه إلى الأرض. قال الله تعالى في سورة
(طه):
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا
آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ
الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا
تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ
إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ
الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا
سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ
عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ
هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا
من الجنة. ولولا هذه الخطيئة لكنا اليوم هناك.
وهذا تصور ساذج لأن الله تعالى حين شاء أن يخلق آدم قال
للملائكة
: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم
يقل لهما إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى الأرض هبوط إهانة،
وإنما كان هبوط كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله
تعالى يعلم أن آدم وحواء سيأكلان من الشجرة
. ويهبطان إلى الأرض. كان الله تعالى يعلم أن الشيطان
سيغتصب منهما البراءة. وكانت هذه المعرفة شيئا لازما لحياتهما على الأرض.
وكانت التجربة كلها ركنا من أركان الخلافة في
الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن الشيطان طرد الأبوين من
الجنة،
وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء
الشيطان. هل يقال لنا أن الإنسان ميسر مجبور.. وأن آدم كان مجبورا سلفا على
أن يخطئ ويخرج من الجنة ويهبط إلى الأرض
. حقيقة إن هذا التصور لا يقل سذاجة عن التصور الأول.
كان آدم حرا تمام الحرية. ولهذا تحمل تبعة عمله.
عصى وأكل الشجرة فأخرجه الله من الجنة.. معصيته لا تنافي حريته. بل إنها
تستمد وجودها الأصلي
من حريته. كل ما في الأمر أن الله كان يعلم سلفا ما
سيحدث، يعلم الله الأشياء قبل حدوثها،
ولكنه لا يدفعها دفعا أو يقهرها قهرا على الحدوث. إن
الله يعطي الحرية لعباده ومخلوقاته.
ويرتب على ذلك حكمته العليا في تعمير الأرض وإقامة الخلافة فيها.
pages 1
2
3 4
|