شبكة الأزهار الشاملة | لذة اخري لتصفح الانترنت
 

موسى وهارون عليهما السلام

موسى وهارون عليهما السلام

الجزء الأول
===================
 


قال تعالى:
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
ندع موسى جالسا تحت ظل الشجرة.. لنرى ماذا كان من أمر الفتاتين اللتين سقى لهما.
عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ. سأل الأب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!
قالت الكبرى: كان حظنا اليوم عظيما يا أبي.. تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم قبل أن يسقي الرعاة.
قال الأب: الحمد لله.
قالت البنت الصغرى: أعتقد يا أبي أنه قادم من سفر بعيد.. وجائع! رأيت وجهه مجهدا رغم قوته.
قال الأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) ليعطيك (أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). وطارت البنت تجري لموسى وقلبها يخفق.
وقفت أمام موسى وأبلغته رسالة أبيها، ونهض موسى وبصره في الأرض. إنه لم يسق لهما الغنم وهو ينتظر منهما أجرا، وإنما ساعدهما لوجه الله، غير أنه أحس في داخله أن الله هو الذي يوجه قدميه فنهض.. سارت البنت أمامه.. هبت الرياح فضربت ثوبها فخفض موسى بصره حياء وقال لها: سأسير أنا أمامك ونبهيني أنت إلى الطريق.
وصلا إلى الشيخ. قال بعض المفسرين إن هذا الشيخ هو النبي شعيب. عمر طويلا بعد موت قومه. وقيل إنه ابن أخي شعيب. وقيل ابن عمه، وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب الذين آمنوا به.
لا نعرف أكثر من كونه شيخا صالحا.
قدم له الشيخ طعام الغداء وسأله: من أين هو قادم والى أين هو ذاهب؟ حدثه موسى عن قصته. قال الشيخ: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) . هذه البلاد لا تتبع مصر، ولن يصلوا إليك هنا. اطمأن موسى ونهض لينصرف.
قالت ابنة الشيخ لأبيها همسا: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)

 

سألها الأب: كيف عرفت أنه قوي؟
قالت: رفع وحده صخرة لا يرفعها غير عشرة رجال.
سألها: وكيف عرفت أنه أمين؟
قالت: رفض أن يسير خلفي وسار أمامي حتى لا ينظر إلي وأنا أمشي.. وطوال الوقت الذي كنت أكلمه فيه كان يضع عينيه في الأرض حياء وأدبا.
وعاد الشيخ لموسى وقال له: أريد يا موسى أن أزوجك إحدى ابنتي على أن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات، فإن أتممت عشر سنوات، فمن كرمك، لا أريد أن أتعبك، (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).
قال موسى: هذا اتفاق بيني وبينك.. والله شاهد على اتفاقنا.. سواء قضيت الثماني السنوات، أو العشر سنوات فأنا حر بعدها في الذهاب..
قال تعالى في سورة القصص:
فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
تنصرف كثير من الأقلام حين تجيء إلى هذا الموضع، إلى أسئلة لا تنم إلا عن الفضول. يتساءلون: أي ابنتي الشيخ تزوج موسى: أهي الكبرى أم الصغرى؟ وأي الأجلين قضى موسى عشر سنوات أم ثماني سنوات؟ وهم يضربون في تيه من الأقاصيص والروايات، والثابت أن موسى تزوج إحدى ابنتي الشيخ. لا نعرف من كانت، ولا ماذا كان اسمها. نعتقد أنه تزوج التي ذهبت إليه تدعوه لأبيها، ثم حثت أباها على استئجاره بعد ذلك. يكشف السياق القرآني عن لون من ألوان الإعجاب الراقي الذي يجيش بنفسها تجاهه..
ولعل الشيخ أدرك بحكمته أن ابنته قد اختارت بقلبها وانتهى الأمر، ولعله حين حدث موسى عن تزويجه ترك له حرية الاختيار حياء، ولعل موسى اختار من اختارته، ولعل هذا تم بنفس اندفاع موسى وسرعته. أما من كانت هذه البنت: أكانت الكبرى أم الصغرى. فهذه مسألة سكت عنها السياق القرآني، وإن كان قد أشار إليها إشارة موحية معجزة بقوله:
فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء
أيضا يسكت السياق القرآني عن الأجل الذي قضاه موسى، هل قضى السنوات العشر أم اقتصر على ثماني سنوات؟ وان كنا نعتقد.. استنادا إلى طبيعة موسى وكرمه ونبوته وكونه من أولي العزم.. أنه قضى الأجل الأكبر. وهذا ما يؤكده حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهكذا عاش موسى يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.
وكان عمل موسى ينحصر في الخروج مع الفجر كل يوم لرعي الأغنام والسقاية لها..

 


ونحسب أن فترة السنوات العشر التي قضاها موسى في مدين كانت تدبيرا إلهيا من الله له..
إن موسى على دين يعقوب.. أبوه البعيد هو يعقوب.
ويعقوب هو حفيد إبراهيم.. وموسى إذن هو من أحفاد إبراهيم.. وكل نبي بعد إبراهيم جاء من صلبه.
نفهم من هنا أن موسى كان على دين آبائه وأجداده.. كان على الإسلام والتوحيد.
وها هو ذا الوقت يجيء عليه فيعتزل عشر سنوات بعيدا عن أهله وقومه.. وفترة السنوات العشر هذه كانت فترة مهمة في حياته.. كانت فترة من فترات التأهيل الكبرى.
قطعا كان ذهن موسى يدور مع النجوم كل ليلة.. وكان يتبع شروق الشمس وغروبها كل نهار.. وكان يتأمل النبات كيف يشق التربة ويظهر، وينظر للماء كيف يحي الأرض بعد موتها فتزدهر.. قطعا كان يسبح بذهنه في كتاب الله المفتوح للأبصار والأفئدة.. كان يسبح بذهنه في كون الله، وتدركه الدهشة ويتركه العجب.. غير أن هذا كله ظل كامنا في نفسه مستقرا بها.. لقد تربى موسى في قصر الفرعون المصري.
هذا معناه أنه كان مصريا بثقافته، مصريا بطعامه وشرابه، مصريا بجسده وقوته. هذا الوعاء المصري بالميلاد والتربية.. كان يهيأ ليتلقى وحيا إلهيا من لون جديد.. وحيا إلهيا مباشرا يجيء بغير رسول من الملائكة.. إنما يكلمه الله تكليما بغير واسطة.. لا بد إذن من فترة إعداد عقلي ونفسي.. انتهت فترة الإعداد الجسماني في مصر، وتربى موسى في قصر أعظم ملوك الأرض، في دولة هي أغنى دولة في الأرض. وشب عملاقا قويا يكفي أن يمد يده ليزيح أحدا حتى يقتله. بقي إذن أن يضاف إلى الإعداد البدني إعداد روحي مماثل.. إعداد يتم في عزلة تامة، وسط صحراء ومراع لا يعرفها موسى قبل ذلك.. وسط أناس غرباء لم يرهم من قبل.. وذلك ما وقع. كان الصمت طريقه.. وكانت العزلة مركبه.. وكان الله يستكمل لنبيه وكليمه أدواته ليتحمل موسى بعد ذلك أمانة الأمر بالحق.
جاء على موسى يوم.. انتهت الفترة المحددة.. واستيقظ في قلب موسى حنين غامض إلى مصر.. يريد أن يعود إلى مصر.. لقد سقطت عقوبته بمضي المدة.. يعلم ذلك.. لكنه يعلم أيضا أن القانون المصري رهن إشارة الحاكم، إن شاء إدخاله في العقوبة فعل، ولو لم يكن مستوجبا لها، وان شاء العفو عنه رغم استحقاقه للعقوبة فعل.. كان موسى يعلم ذلك، ولم يكن واثقا من نجاته في مصر مثل ثقته من نجاته هنا..
 

رغم ذلك، حركته الأقدار العليا وزينت له الرحيل.. كان موسى سريعا وحاسما في اتخاذ القرارات..
قال لزوجته: غدا نبدأ سفرنا إلى مصر..
قالت زوجته لنفسها: في الرحيل ألف خطر لم يسفر عن وجهه بعد.. غير أنها أطاعت.
لم يكن موسى نفسه يعرف السر في قراره السريع المفاجئ بالعودة إلى مصر.. منذ عشر سنوات خرج هاربا.. رأسه مطلوب في مصر.. فلماذا يعود إليها اليوم.. هل اشتاق إلى أمه وأخيه؟ هل فكر في زيارة زوجة الفرعون التي ربته كأم وأحبته كأم؟ لا أحد يعرف ماذا دار في نفس موسى وهو عائد إلى مصر.. كل ما نعرفه أن طاعة صامتة لأقدار الله دفعته لاتخاذ القرار فاتخذه. وها هي ذي الأقدار العليا توجه خطواته لأمر شديد الأهمية عظيم الخطر.
خرج موسى مع أهله وسار.. اختفى القمر وراء أسراب من السحاب الكثيف وساد الظلام. اشتد البرق والرعد وأمطرت السماء وزادت حدة البرد والظلام.. وتاه موسى أثناء سيره.. التقط قطعتين من الصخر وراح يضرب إحداهما بالأخرى ليشعل نارا يرى في ضوئها أين يسير، ولكنه لم يستطع.. كانت الرياح القوية تطفئ الشرارة الضعيفة..ووقف موسى حائرا يرتعش من البرد وسط أهله.. ثم رفع رأسه فشاهدها عن بعد.
 

شاهد نارا عظيمة تشتعل عن بعد.. امتلأ قلبه بالفرح فجأة.. قال لأهله: أني رأيت نارا هناك.. أمرهم أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب إلى النار لعله يأتيهم منها بخبر، أو يجد أحدا يسأله عن الطريق فيهتدي إليه، أو يحضر إليهم بعض أخشابها المشتعلة لتدفئتهم.
ونظر أهله إلى النار التي يشير إليها موسى فلم يروا شيئا.. أطاعوه وجلسوا ينتظرونه.. وتحرك موسى نحو النار.. سار موسى مسرعا ليدفئ نفسه.. يده اليمنى تمسك عصاه.. جسده مبلل من المطر.. ظل يسير حتى وصل إلى واد يسمونه طوى.. لاحظ شيئا غريبا في هذا الوادي. لم يكن هناك برد ولا رياح.. ثمة صمت عظيم ساكن.. واقترب موسى من النار.. لم يكد يقترب منها حتى نودي:
أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
توقف موسى فجأة.. وارتعش.. كان الصوت يجيء من كل مكان ولا يجئ من مكان محدد.. نظر موسى في النار وعاد يرتعش.. وجد شجرة خضراء من الشوك وكلما زاد تأجج النار زادت خضرة الشجرة.. المفروض أن تتحول الشجرة إلى اللون الأسود وهي تحترق.. لكن النار تزيد واللون الأخضر يزيد.. راح موسى يرتجف رغم الدفء والعرق.. كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه، وكان الوادي الذي يقف فيه هو وادي طوى.. ووضع موسى يديه على عينيه من شدة النور مهابة وخوفا على بصره..
وتساءل في نفسه.. نار أم نور؟!
ثم ارتجت الأرض بالخشوع والرهبة والله عز وجل ينادي: يَا مُوسَى
رفع موسى رأسه وقال: نعم.
قال الله عز وجل: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
ازداد ارتعاش موسى وقال: نعم يا رب.
قال الله عز وجل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
انحنى موسى راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.

 

عاد الحق سبحانه وتعالى يقول: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى
زاد انتفاض جسد موسى وهو يتلقى الوحي الإلهي ويستمع إلى ربه وهو يخاطبه.. قال الرحمن الرحيم: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى
ازدادت دهشة موسى.. إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخاطبه، والله يعرف أكثر منه أنه يمسك عصاه.. لماذا يسأله الله إذن إذا كان يعرف أكثر منه..؟ لا شك أن هناك حكمة عليا لذلك.
أجاب موسى وصوته يرتعش: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى
قال الله عز وجل: أَلْقِهَا يَا مُوسَى
رمى موسى العصا من يده وقد زادت دهشته.. وفوجئ بأن العصا تتحول فجأة إلى ثعبان عظيم الحجم هائل الجسم.. وراح الثعبان يتحرك بسرعة.. ولم يستطع موسى أن يقاوم خوفه.. أحس أن بدنه يتزلزل من الخوف.. فاستدار موسى فزعا وبدأ يجري.. لم يكد يجري خطوتين حتى ناداه الله!
(يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ )
(أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)
عاد موسى يستدير ويقف.. لم تزل العصا تتحرك.. لم تزل الحية تتحرك..
قال الله سبحانه وتعالى لموسى: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى
مد موسى يده للحية وهو يرتعش.. لم يكد يلمسها حتى تحولت في يده إلى عصا.. عاد الأمر الإلهي يصدر له: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
وضع موسى يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تتلألأ كالقمر.. زاد انفعال موسى بما يحدث، وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..
اطمأن موسى وسكت.. وأصدر الله إليه أمرا بعد هاتين المعجزتين –معجزة العصا ومعجزة اليد- أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى الله برفق ولين، ويأمره أن يخرج بني إسرائيل من مصر.. وأبدى موسى خوفه من فرعون. قال إنه قتل منهم نفسا ويخاف أن يقتلوه.. توسل إلى الله أن يرسل معه أخاه هارون.. طمأن الله موسى أنه سيكون معهما يسمع ويرى، وأن فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء. أفهم الله موسى أنه هو الغالب.. ودعا موسى وابتهل إلى الله أن يشرح له صدره وييسر أمره ويمنحه القدرة على الدعوة إليه..

 


قال تعالى في سورة طه:
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
لا نعرف ماذا نقول تعليقا على قول الله تعالى لعبد من عباده..
يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

 

اختار الله موسى واصطنعه لنفسه.. سبحانه.. وتلك قمة من قمم التشريف لا نعرف أحدا بلغها في ذلك الزمان البعيد غير موسى عليه الصلاة والسلام.. قفل موسى راجعا لأهله بعد اصطفاء الله واختياره رسولا إلى فرعون.. انحدر موسى بأهله قاصدا مصر.
يعلم الله وحده أي أفكار عبرت ذهن موسى وهو يحث خطاه قاصدا مصر. انتهى زمان التأمل، وانطوت أيام الراحة، وجاءت الأوقات الصعبة أخيرا، وها هو ذا موسى يحمل أمانة الحق ويمضي ليواجه بها بطش أعظم جبابرة عصره وأعتاهم. يعلم موسى أن فرعون مصر طاغية. يعلم أنه لن يسلمه بني إسرائيل بغير صراع. يعلم أنه سيقف من دعوته موقف الإنكار والكبرياء والتجاهل.. لقد أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون.. أن يدعوه بلين ورفق إلى الله. أوحى الله لموسى أن فرعون لن يؤمن. ليدعه موسى وشأنه.. وليركز على إطلاق سراح بني إسرائيل والكف عن تعذيبهم. قال تعالى لموسى وهارون:
فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ
هذه هي المهمة المحددة. وهي مهمة سوف تصطدم بآلاف العقبات. إن فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم ويكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به، ويستحيي نسائهم، ويذبح أبنائهم، ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملك مصر.
يعلم موسى أن النظام المصري يقوم في بنيانه الأساسي على استعباد بني إسرائيل واستغلال عملهم وجهدهم وطاقاتهم في الدولة، فهل يفرط الفرعون في بناء الدولة الأساسي ببساطة ويسر؟ ذهبت الأفكار وجاءت، فاختصرت مشقة الطريق.. ورفع الستار عن مشهد المواجهة

pages      1       2

الجزء الثاني

الجزء الثالث

 

 
 
 
 
Copyright © 2008 Mobtker ! Inc. All rights reserved....