|
موسى وهارون عليهما السلام
الجزء الثاني
====================
|
|
واجه موسى فرعون بلين ورفق كما أمره الله.
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا
لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
حدثه عن الله.. عن رحمته وجنته.. عن وجوب توحيده وعبادته..
حاول إيقاظ جوانبه الإنسانية في الحديث. ألمح إليه أنه يملك مصر، ويستطيع
لو أراد أن يملك الجنة. وما عليه لذلك إلا أن يتقي الله.. استمع فرعون إلى
حديث موسى ضجرا شبه هازئ وقد تصوره مجنونا تجرأ على مقامه السامي.. ثم رفع
يده وتحدث. ماذا تريد؟ قل: ماذا تريد واختصر.
قال موسى: أريد أن ترسل معنا بني إسرائيل.
سأل فرعون: بأي صفة أرسلهم معك وهم عبادي؟
قال موسى: إنهم عباد الله رب العالمين.
تساءل فرعون ـ هازئاـ: ألم تقل إن اسمك موسى؟
قال موسى : بلى .
قال فرعون: ألست موسى الذي التقطناه من النيل طفلا لا حول له ولا قوة؟!
ألست موسى الذي ربيناه في هذا القصر وأكل من طعامنا وشرب من مائنا وأغرقه
خيرنا وأحسنا إليه؟! ألست موسى القاتل فيما بعد.. الفار فيما بعد.. قاتل
الرجل المصري لو لم تخني الذاكرة؟! ألا يقولون إن القتل كفر؟! كنت كافرا
وأنت تقتل إذن.. أنت موسى إذن.. الفار من القانون المصري.. الهارب من وجه
العدالة.. ثم تجيء إلي وتحدثني.. فيم كنت تحدثني يا موسى.. لقد نسيت.
|
|
فهم موسى أن فرعون يذكره بماضيه ويمن عليه أنه رباه
وأحسن إليه، فهم أيضا أن الفرعون يهدده بحادث القتل القديم.. وتجاوز موسى
سخرية فرعون وأفهمه أنه لم يكن كافرا حين قتل المصري.. وإنما كان ضالا لم
يوح الله إليه. أفهمه أنه فر من مصر لأنه خاف انتقامهم منه رغم أن القتل
كان خطأ ولم يكن يقصده. أفهمه أن الله وهبه حكما وجعله من المرسلين.
حكى الله تعالى في سورة الشعراء جزءا من الحوار بين موسى وفرعون. قال تعالى:
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن
يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ
إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
(14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ
(15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ
فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ
فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ
فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
وتغلبت طبيعة موسى المندفعة عليه.. إن منّ الفرعون عليه وتذكيره بإحسانه
عليه يثيران طبيعته المندفعة.. فإذا هو يخاطب فرعون قائلا:
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ
يريد موسى أن يقول له.. هل تظن أن النعمة التي تمنها علي.. من أنك أحسنت
إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل.. هل تظن هذه النعمة تقابل ما استخدمت
هذا الشعب الكبير بأكمله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك وأشغالك؟ إن كان هذا
بذاك وطاوعك المنطق على ذلك فنحن متعادلون إذن.. ليس فينا دائن ومدين، وإن
لم يكن هذا بذاك فأيهما أكبر؟ وعلى أي الحالات فالأمر أمر دعوة إلى الله.
أمر لم آتك به من تلقاء نفسي.. لست موفدا من شعب بني إسرائيل.. لست موفدا
من قبل نفسي.. إنما أنا موفد من الله تعالى.. أنا رسول رب العالمين.
|
|
عند هذا الحد تدخل الفرعون في الحديث.. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
الْعَالَمِينَ
قال موسى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم
مُّوقِنِينَ
التفت فرعون لمن حوله وقال هازئا: أَلَا تَسْتَمِعُونَ
قال موسى متجاوزا سخرية الفرعون: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ
الْأَوَّلِينَ
قال فرعون مخاطبا من جاءوا مع موسى من بني إسرائيل: إِنَّ رَسُولَكُمُ
الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
عاد موسى يتجاوز اتهام الفرعون وسخريته ويكمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ
حكى الله تعالى في سورة الشعراء جزءا من حوار فرعون وموسى.. قال تعالى:
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ
حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ
الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ
لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا
إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ
قال تعالى:
فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ
وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ
إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَن
رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ
خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا
يَنسَى
نلاحظ أن فرعون لم يكن يسأل موسى عن رب العالمين أو رب موسى وهارون بقصد
السؤال البريء والمعرفة. إنما كان يهزأ. ولقد أجابه موسى إجابة جامعة مانعة
محكمة.
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
هو الخالق. خالق الأجناس جميعا والذوات جميعا. وهو هاديها بما ركب في
فطرتها وجبلتها من خواص تهديها لأسباب عيشها. وهو الموجه لها على أي حال.
وهو القابض على ناصيتها في كل حال..وهو العليم بها والشاهد عليها في جميع
الأحوال.
توحي العبارة القرآنية بهذا كله وأكثر. فتأمل إيجازها المعجز.
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
|
|
انزلقت العبارة على ذهن فرعون السميك مثلما تنزلق قطرة
من الزئبق على سطح من الزجاج. لم تترك أثرا أو علامة. وها هو ذا فرعون يسأل:
فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى لم تعبد ربك هذا؟
لم يزل فرعون ماضيا في استكباره واستهزائه. ويرد موسى ردا يستلفته إلى أن
القرون الأولى التي لم تعبد الله، والتي عبدته معا، لن تترك بغير مساءلة
وجزاء. كل شيء معلوم عند الله تعالى.. هذه القرون الأولى (عِلْمُهَا عِندَ
رَبِّي فِي كِتَابٍ). أحصى الله ما عملوه في كتاب. (لَّا يَضِلُّ رَبِّي)..
أي لا يغيب عنه شيء. (وَلَا يَنسَى). أي لا يغيب عن شيء. ليطمئن الفرعون
بالا من ناحية القرون الأولى والأخيرة وما بينهما.. إن الله يعرف كل شيء
ويسجل عليهما ما عملته ولا يضيع شيئا من أجورهم.
عاد موسى يكمل حديثه عن ربه.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا
وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ
شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ
لِّأُوْلِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ
وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
استلفت موسى نظر فرعون إلى آيات الله في الكون. ودار به مع حركة الرياح
والمطر والنبات وأوصله مرة ثانية إلى الأرض، وهناك افهمه أن الله خلق
الإنسان من الأرض، وسيعيده إليها بالموت، ويخرجه منها بالبعث، إن هناك بعثا
إذن.. وسيقف كل إنسان يوم القيامة أمام الله تعالى.. لا استثناء لأحد..
سيقف كل عباد الله وخلقه أمامه يوم القيامة. بما في ذلك الفرعون.. بهذا جاء
موسى مبشرا ومنذرا.
لم يعجب فرعون هذا النذير، وتصاعد الحوار بينه وبين موسى..
كان الحوار يعبر عن الصراع بينهما.. سخنت حدة الصراع فتغيرت لهجة الحوار..
أقام موسى الحجة الدامغة على فرعون، أقام عليه الحجة العقلية.. ولكن فرعون
ينفلت خارجا من دائرة الحوار الذي بنى على المنطق، ويبدأ حوارا من نوع جديد.
نوع لا يطيق موسى مجاراته فيه. إنه يهاجم موسى ويهدده ويحتقره ويسبه.
|
|
أعطى فرعون ظهره للحق الذي جاء به موسى. وتجاهل دعوته. وبدأ يهاجمه في شخصه
وملابسه وطريقة نطقه للكلمات.. أشار لمن حوله إلى فقر موسى.. وملابسه
الصوفية الخشنة. وهذا التردد الذي يجتاح لسانه عند نطق بعض الكلمات.. بعد
هذا التحقير لموسى.. عمد الفرعون إلى أسلوب الحكم المطلق..
سأل موسى: كيف يجرؤ على عبادة غيره..؟ ألا يعرف موسى أن فرعون إله؟ كيف
يجهل موسى هذه الحقيقة رغم أنه تربى في قصر الفرعون ويعرف؟!
بعد أن أعلن فرعون عن ألوهيته بصفة مبدئية. سأل موسى كيف تجرأ على عبادة
غيره.. إن هذا معناه السجن.. ليس عندنا لمن يتخذ إلها غير الفرعون.. سوى
السجن..
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
الْمَسْجُونِينَ
أدرك موسى أن الحجج العقلية لم تفلح. إن الحوار الهادئ ينقلب من السخرية
إلى المن إلى التحقير إلى التهديد بالسجن. أدرك موسى أن وقت إظهار المعجزة
قد جاء.
قال للفرعون بعد تهديده له بالسجن..
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ
إنه يتحدى الفرعون.. وها هو ذا يقبل تحديه.. ويعلق صدقه على أن يأتيه بهذا
الشيء المبين.
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
ألقى موسى عصاه في ردهة القصر العظيمة. في البداية، خيل إلى فرعون أن العصا
سقطت من موسى بسبب ارتباكه بعد أن طالبه بإظهار الدليل على صدقه.
تحولت أنظار الواقفين جميعا إلى العصا وهي ترتطم بأرض الردهة الرخامية.
|
|
لم تكد العصا تلمس الأرض حتى تحولت إلى ثعبان هائل يتحرك
بسرعة. اتجه الثعبان الهائل نحو فرعون. شحب وجه فرعون من الخوف، وانكمش في
كرسيه، وصرخ أن يبعدوا عنه الثعبان. مد موسى يده إلى الثعبان فعاد في يده
إلى عصا كما كان. سقط الصمت بعد هذه الآية..
عاد موسى يكشف أمام الواقفين معجزته الثانية. أدخل يده في جيبه وأخرجها
فإذا هي بيضاء كالقمر. شحبت كل أضواء القصر وشموعه أمام هذا النور الجديد.
وظهر وجه فرعون أخضر من الخوف. قال تعالى:
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ
فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ
صمتت الأصوات في القصر. وانغرس تأثير المعجزتين في النفوس يحمل تيارا من
الخوف أول ما يحمل.. ثم أعاد موسى يده إلى جيبه فعادت كما كانت.
ذاب النور المدهش الذي حملته الآية الثانية إلى المكان، قال فرعون ممتقع
الوجه: اذهبا الآن.. نتحدث فيما بعد.
استدار موسى وخرج من القصر. كان فرعون ذاهلا. جال تفكيره فيما يمكن أن يقع
في المملكة لو انتشر فيها خبر المعجزتين وتحدث الناس عن موسى وهارون. أصدر
الفرعون أمره بإسدال الصمت على الموضوع، ولكن خدم القصر وجواريه وجزءا من
بني إسرائيل شهدوا المعجزتين. وملئوا الدنيا حديثا عنهما. بهت فرعون مصر
تماما حين واجه المعجزتين. فلما خرج موسى من قصره تحول من الذهول والخوف
إلى الغضب العنيف. انفجرت ثورته في وزرائه ورجاله وراح يعنفهم بلا سبب..
أمرهم بالخروج من مجلسه وخلا بنفسه.. حاول أن يفكر في الموضوع بهدوء أكثر.
شرب عدة كئوس من الخمر فلم يذهب غيضه.. ثم أصدر أمره باجتماع خطير يدعى
إليه كل وزراء مصر وقادتها ومسئوليها.. وأصدر الفرعون أمره لهامان، كبير
وزرائه، أن يشرف بنفسه على عقد الاجتماع.. واجتمع الملأ من قوم فرعون..
دخل فرعون الاجتماع ووجهه متصلب.. كان واضحا أنه لن يستسلم بسهولة، إنه
يقيم ملكه على أساس أنه إله يعبده المصريون. وهو يستبد بهم ويتحكم فيهم
ويستغلهم طبقا لهذه الفكرة.. وها هو ذا موسى يجيء ليهدم كل ما بناه. أبسط
شيء أن موسى يقول إن هناك إلها واحدا لا إله غيره في الكون. معنى هذا أن
فرعون كاذب.
لم تكد هذه الفكرة تستقر في رأس فرعون.. حتى التفت إلى كبير وزرائه هامان..
كانت الجلسة التاريخية منعقدة.. ولم يكن هناك من تجرأ على فتح فمه بعد..
افتتح فرعون الجلسة بأن ألقى على هامان سؤاله المفاجئ: هل أنا كاذب يا
هامان؟
ركع هامان مندهشا وتساءل: من الذي تجرأ على الكفر بالفرعون؟!
قال فرعون مقطبا: موسى.. ألم يقل إن هناك إلها في السماء؟
قال هامان مؤكدا: موسى يكذب يا مولاي.
|
|
قال فرعون نافد الصبر وهو يدير وجهه إلى الجهة الأخرى: أعرف أنه يكذب.
ثم ملتفتا إلى هامان:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ
الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ
مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا
أصدر الفرعون أمره الملكي ببناء صرح شاهق يفترض في ارتفاعه أن يصل إلى
السماء. استند الأمر الفرعوني إلى حضارة مصر وولعها بالبناء، غير أنه تجاهل
القوانين الهندسية الحاكمة، ورغم ذلك رد هامان منافقا وهو يعرف باستحالة
بناء مثل هذا الصرح:
- سأصدر أمرا ببنائه على الفور.. لكنك يا مولاي.. واسمح لي بالاعتراض للمرة
الأولى على الفرعون.. لن تجد شيئا في السماء.. ليس هناك إله غيرك..
استمع فرعون إلى اعتراض رئيس وزرائه راضيا كأنه يستمع إلى حقيقة مقررة.. ثم
أعلن في اجتماعه الشهير كلمته التاريخية:
يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي
حنى الجميع رءوسهم موافقين. كان بينهم اثنان و ثلاثة. لم يزل في رءوسهم عقل.
وكان هؤلاء الثلاثة يعرفون أن فرعون هو الذي يكذب. ورغم ذلك سكتوا على
الكذب ووافقوه. وقد كلفت هذه الموافقة الشعب المصري غاليا. دفع الجنود
المصريون من دمهم فيما بعد ثمن نفاق قادتهم وموافقة وزرائهم وخضوع كهنتهم
لجنون الفرعون.
قال فرعون وهو يسأل مستشاريه: ماذا قلتم في موسى؟
قال هامان: هو كاذب. وقال وزير آخر: أعتقد أنه مجنون.
وقال كاهن أشيب خشي أن يضيع بينهم لو لم يقل شيئا: أتصور أن مسا أصابه..
|
|
قاطع الفرعون: أنتم تصفون موسى، ولكنكم لم تجيبوا عن
سؤالي بعد. ما هي حقيقة موسى..؟ ما هي المؤامرة التي يخفيها وراء ظهره؟
سكت المستشارون خوفا ونفاقا من فرعون. وانتظروا أن يضع هو الكلمات في
أفواههم ليرددوها بعده كالببغاوات.
قال فرعون بعد لحظة صمت فلسفي مضحك: اعتقد أن موسى
لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
من المعروف في أنظمة الحكم المطلق أن اجتماع وجوه القوم وكبارهم لإبداء
الرأي أمام الحاكم الطلق لا يعني أكثر من اجتماعهم لتلقي الرأي وترديده بعد
ذلك.
قال المستشارون بعد أن أعطاهم فرعون حبل الكلمات:
- صدق فرعون. إن موسى ساحر، لقد انحلت المشكلة، سترجئ موسى وأخاه ونبعث
بأمر الفرعون في مصر كلها ليحضر السحرة، فإذا حضر السحرة وقفوا أمام موسى
واثبتوا أنه ساحر وهزموه.. وبذلك نكشفه أمام المصريين وأبناء إسرائيل..
تم الاتفاق في هذه الجلسة التاريخية على ذلك. وخرج من قصر الفرعون عشرة
رجال ركبوا مركباتهم وأسرعوا يتفرقون في مصر. ونودي ثاني يوم في أسواق مصر
كلها: إن على جميع السحرة الماهرين التوجه إلى قصر فرعون لأمر مهم. واستدعى
فرعون نبي الله موسى وحاول تهديده وإخافته، ولكن موسى ظل على هدوئه.
قال فرعون لموسى: أنت ساحر يا موسى. ولقد قررت أن أكشفك أمام الجميع وبعد
أيام قليلة يحضر السحرة.
سأل موسى: متى ألتقي بالسحرة؟
قال فرعون: هناك مناسبة قريبة لحشد الناس واجتماعهم.. هي يوم الزينة.. يوم
شم النسيم.. يوم تتزين الأرض لقدوم الربيع.. سيكون الاجتماع هائلا.. وسوف
تهزم.. وأنا أعطيك حق التراجع من الآن.. إنني أمنحك فرصة أخيرة لإنقاذ ماء
وجهك.
وقال موسى متجاهلا كلام الفرعون الأخير: اتفقنا على الموعد (مَوْعِدُكُمْ
يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)..
سأل فرعون: أي وقت ستحضر؟
قال موسى: سأحضر أن شاء الله تعالى قبل الضحى.. في بداية النهار..
قال تعالى في سورة طه:
وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ
أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57)
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ
مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى
pages 1
2
3
الجزء الاول
الجزء الثالث
|