شبكة الأزهار الشاملة | لذة اخري لتصفح الانترنت
 

موسى وهارون عليهما السلام

موسى وهارون عليهما السلام
الجزء الثاني

==================
 

إن الانحراف عن الإيمان بالله.. ولو شعرة واحدة.. ينتهي بالإنسان إلى كبرياء تضطرب معها الحقائق، وتختلط الأمور، ويصبح الادعاء الكاذب شيئا منطقيا ومفهوما ولا حاجة لتحليله.. لم يكد خسف قارون يتم، حتى ارتفعت رءوس المؤمنين بموسى وانقشع غمهم بعد طول استياء. عاين المصريون وأبناء إسرائيل هذه المعجزة. وعاد الصراع بين موسى وفرعون يصل إلى ذروته.. وأيقن فرعون أن موسى يهدده في ملكه..
كان موسى مثل كل الأنبياء يحمل برسالته حكما بالإعدام على شرور عصره ومراكز القوة الظالمة.. واتحدت شرور العصر في قصر الفرعون.. هناك طرح فرعون مصر فكرة قتل موسى.. كان فرعون قد صار إلى اقتناع بأن قتل موسى هو الكفيل بحل مشكلاته..
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ
سنلاحظ أن فرعون يرتدي مسوح الداعين إلى الحق، إنه يختلس لنفسه مهام الأنبياء، ويخاف على الناس أن يضلهم موسى.. وهو يقترح على وزرائه وكبار رجاله أن يتركوه يقتل موسى.. والمفهوم الطبيعي أنه لن يقتل موسى بيديه وإنما هو يطرح فكرة قتله أمامهم، لتقوم السلطات بتنفيذها.. ونتعقد أن هامان حبذ الفكر، وتكونت جبهة من المنافقين الذين يؤيدون فكرة الفرعون..
كادت الفكرة تحصل على التصديق، لولا رجل من آل فرعون.. رجل من رجال الدولة الكبار، لا يذكر القرآن اسمه، لأن اسمه لا يهم، لم يذكر صفته أيضا لأن صفته لا تعني شيئا، إنما ذكر القرآن أنه رجل مؤمن.. ذكره بالصفة التي لا قيمة صفة بعدها.
تحدث هذا الرجل المؤمن، وكان (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، تحدث في الاجتماع الذي طرحت فيه فكرة قتل موسى وأثبت عقم الفكرة وسطحيتها. قال إن موسى لم يقل أكثر من أن الله ربه، وجاء بعد ذلك بالأدلة الواضحة على كونه رسولا، وهناك احتمالان لا ثالث لهما: أن يكون موسى كاذبا، أو يكون صادقا، فإذا كان كاذبا (فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وهو لم يقل ولم يفعل ما يستوجب قتله. وإذا كان صادقا وقتلناه، فما هو الضمان من نجاتنا من العذاب الذي يعدنا به؟
تحدث المؤمن الذي يكتم إيمانه فقال لقومه: إننا اليوم في مراكز الحكم والقوة، مثلما كان قارون بالأمس في مركز الثراء والقوة، ثم أصابه ما أصابه.. من ينصرنا من بأس الله إذا جاء؟ ومن ينقذنا من عقوبته إذا حلت؟ إن إسرافنا وكذبنا قد يضيعاننا..

 

وبدت كلماته مقنعة.. إنه رجل ليس متهما في ولائه لفرعون.. وهو ليس من اتباع موسى.. والمفروض أنه يتكلم بدافع الحرص على عرش الفرعون.. ولا شيء يسقط العروش كالكذب والإسراف وقتل الأبرياء..
ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها.. بالنسبة إلى فرعون ووزرائه ورجاله.. ورغم أن فرعون وجد فكرته في قتل موسى، صريعة على المائدة. رغم تخويف الرجل المؤمن لفرعون.. رغم ذلك قال الفرعون كلمته التاريخية التي ذهبت مثلا بعده لكل الطغاة..
قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ
هذه كلمة الطغاة دائما حين يواجهون شعوبهم.. (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى).. هذا رأينا الخاص.. وهو رأي يهديكم سبيل الرشاد. وكل رأي غيره خاطئ.. وينبغي الوقوف ضده واستئصاله.. حدثنا الله عن هذا الموقف في سورة غافر.
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ
لم تتوقف المناقشة عند هذا الحد.. قال فرعون كلمته ولكنه لم يقنع بها الرجل المؤمن.. وعاد الرجل المؤمن يتحدث:
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ

 


سنلاحظ في هذا الحديث اختلافا عن الحديث.. إن الرجل المؤمن يغوص في حديثه الأخير في أعماق التاريخ وهو يقدم لفرعون وقومه أدلة كافية على صدق موسى.. وهو يحذرهم من المساس به.. لقد سبقتهم أمم كفرت برسلها، فأهلكها الله: قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود..
لماذا نذهب بعيدا؟ إن تاريخ مصر فيه الدليل على صحة قوله، لقد جاء يوسف بالبينات فشك فيه الناس ثم آمنوا به بعد أن كادت النجاة تفلت منهم، ما الغرابة في إرسال الله للرسل؟ إن التاريخ القديم ينبغي أن يكون موضع نظر.. لقد انتصرت القلة المؤمنة حين أصبحت مؤمنة على الكثرة الكافرة.. وسحق الله تعالى الكافرين.. أغرقهم بالطوفان، وصعقهم بالصرخة.. أو خسف بهم الأرض.. ماذا ننتظر إذن؟ ومن أين نعلم أن وقوفنا وراء الفرعون لن يضيعنا ويهلكنا جميعا؟
كان حديث الرجل المؤمن المثقف ينطوي على عديد من التحذيرات المخيفة.. ويبدو أنه اقنع الحاضرين بأن فكرة قتل موسى فكرة غير مأمونة العواقب.. وبالتالي فلا داعي لها..
بعدها حاول أن يستلفتهم إلى الحق الذي جاء به موسى.. إنه ينتقل من التلميح إلى التصريح.. إلى الجهر بالحق:
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ

 

انتهى الأمر وانكشف إيمان الرجل المؤمن.. انكشف أنه مؤمن لم يعد يكتم إيمانه.. أعلن إيمانه في نهاية الحديث صراحة.. قال:
وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
أنهى الرجل المؤمن حديثه بهذه الكلمات الشجاعة.. بعدها انصرف.. انصرف فتحول الجالسون من موسى إليه.. بدءوا يمكرون له. بدءوا يتحدثون عما صدر منه.. أيندرج هذا تحت الخيانة العظمى للنظام أم لا يندرج..؟ لقد اتهم فرعون ووزرائه بأنهم سيهلكون في النار.
نحسب أن الله أرسل هذا الرجل المؤمن من رجال فرعون، ليشغل فرعون عن موسى.. يكشف سياق النص القرآني أن هذا الرجل يمثل المثقفين المصريين الذين كانوا يعرفون التاريخ ويحللونه، ويملكون قدرة على ربط الأحداث ومعرفة الأسباب واستخلاص النتائج.. ثم تهديهم عقولهم إلى الحق.. وقد انشغل فرعون بهذا الرجل عن موسى فترة. كان الرجل المؤمن من أهل فرعون. قريبه وأحد رجال دولته، وإيمانه يجعل قصر الفرعون يبدو منقسما بالنسبة لموسى.. وهو يعني انتصارا عظيما لموسى.. وقتله قد يثير طبقة المثقفين المصريين بوصفه واحدا منهم وهكذا واجه فرعون مشكلته المستحيلة الحل.. إن قتل الرجل المؤمن غير مأمون العاقبة.. والإبقاء عليه غير مأمون العاقبة.. وراحوا يمكرون له ويدبرون.. وتدخلت عناية الله تعالى:
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ
انشغل فرعون بهذه القضية الجديدة.. غير أنه لم يتنازل عن كبريائه ويرسل بني إسرائيل مع موسى. ظل على عذابه وتسخيره لهم واستحيائه للنساء وقتله للأبناء.

 


وشاء الله تعالى أن يشدد على آل فرعون.. ابتلاء لهم وتخويفا، ولكي يصرفهم عن الكيد لموسى والرجل المؤمن، وإثباتا لنبوة موسى وصدقه في الوقت نفسه.
وهكذا سلط على المصريين أعوام الجدب.. أجدبت الأرض وشح النيل ونقصت الثمار وارتفعت الأسعار وجاع الناس، واشتد القحط وأخذ بخناق الأمة المصرية.. ومن المعروف أن هذه العقوبة تصيب الناس دائما حين ينصرفون عن الإيمان والتقوى.. يقول الله تعالى في محكم كتابه في سورة الأعراف:
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ
انطبق القانون القديم على أهل مصر لسببين: وقوفهم موقف المتفرج من قتل السحرة.. ووقوفهم موقف المتفرج من طغيان حاكمهم..
ومن المدهش أن قوم فرعون أرجعوا هذه الجدب والقحط والجوع إلى سبب غريب. قالوا إنهم تشاءموا من موسى.. إن ما أصابهم من جوع وفقر ونقص في الثمرات أصابهم بسبب وجود موسى بينهم.. واشتد فقرهم واشتد بعدهم عن إدراك الحق، فاعتقدوا أن سحر موسى هو المسئول عما أصابهم من قحط. وصور لهم حمقهم أن هذا الجدب الذي أصاب أرضهم، آية جاء بها موسى ليسحرهم بها، وهي آية لن يؤمنوا بها.
ومن المفهوم ضمنا أن هذه لم تكن أفكار العامة من الناس، إنما هي أفكار الطبقة الحاكمة التي أشاعت هذا الرأي، وروجت له، فردده الناس بعد ذلك.. ولقد استتبع بقاء الصراع وامتداده، أن يعاقبهم الله تعالى ويشدد عليهم أكثر وأكثر..

 

قال تعالى:
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ
شدد الله عليهم مع اختلاف الأساليب لعلهم يرجعون إلى الله، ويطلقون بني إسرائيل ويرسلونهم معه.
أرسل عليهم الطوفان، بعد سنوات الجدب العديدة.. جاءت سنة فاض فيها النيل وأغرق الأرض فاستحالت الزراعة.. وبعد أن كان عذابهم وجوعهم ينبعان من قلة المياه، نبع عذابهم وجوعهم هذه المرة من زيادة المياه.. وهرعوا إلى موسى..
كانت المشكلة تستدعي تدخله..
قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ
ودعا موسى ربه فكشف عنهم عذاب إغراق الأرض.. توقف تدفق المياه وشربت الأرض ماءها وعادت صالحة للزراعة.. وطالبهم موسى بتحقيق وعدهم له بإطلاق سراح بني إسرائيل، فلم يجيبوه.
ووقعت آية الجراد.. أرسل الله أسرابا من الجراد حطت على الزروع والثمار، فلما طارت عنها كانت الزروع والثمار قد اختفت. أكل الجراد طعام المصريين فهرعوا إلى موسى يسألونه أن يدعو ربه ليكشف عنهم هذا العذاب.. وسوف يرسلون معه بني إسرائيل هذه المرة.. ودعا موسى ربه فكشف عنهم العذاب ورحل الجراد عائدا من حيث جاء.. وعادوا يزرعون الأرض.. وطالبهم موسى بإطلاق سراح بني إسرائيل فراحوا يماطلونه.. حتى تأكد أنهم ليسوا جادين في وعودهم له.
ووقعت آية القمل.. انتشر القمل بما يحمله من أمراض.. وتكرر لجوءهم إلى موسى وتكررت وعودهم له وتكرر دعاؤه لله.. وتكرر إخلافهم لوعدهم.
ثم وقعت آية الضفادع.. امتلأت الأرض بالضفادع فجأة.. كانت تتواثب في أطعمة المصريين وتشاركهم بيوتهم وتزعجهم أعظم الإزعاج.. وذهبوا إلى موسى ووعدوه فسأل ربه فكشف عنهم فأخلفوا وعدهم.

 


ثم وقعت آخر الآيات وهي الدم. تحولت مياه النيل إلى دم لا يستطيع أن يسيغه أحد.
ونلاحظ أن الآيات السابقة كانت آيات من النوع المتوقع في بيئة زراعية تقوم حياتها على النهر.. فيضا أو إمساكا.
إن نقص مياه النيل أو زيادته أو هجوم الجراد أو القمل أو الضفادع.. هذه كلها أمور ليست جديدة على المصريين.. الجديد هو وقوعها بهذا العنف المفاجئ واختفاؤها بنفس العنف المفاجئ.. أما آخر الآيات فكانت من لون لم تألفه البيئة المصرية.. كانت آية أكبر من كل ما سبقها من الآيات.. تحولت مياه النيل إلى دم.. وتم هذا التحول بالنسبة للمصريين وحدهم، فكان موسى وقومه يشربون مياها عادية وكان أي مصري يملأ كأسه ليشرب، يكتشف أن كأسه مملوءة بالدم.
واهتز المصريون كما اهتز قصر الفرعون أمام هذه الآية الرهيبة الجديدة. وهرعوا إلى موسى يتوسلون إليه أن يدعو ربه وسوف يطلقون سراح الإسرائيليين هذه المرة. ودعا موسى ربه فانكشف العذاب عن المصريين، ورغم ذلك رفض قصر الفرعون أن يسمح له باصطحاب قومه والرحيل.
على العكس من ذلك.. اشتد الفرعون صلابة وقحة.. وأعلن فرعون في قومه أنه إله.. أليس له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته، أعلن أن موسى ساحر كذاب.. ورجل فقير لا يرتدي أسورة واحدة من الذهب.
قال تعالى في سورة الزخرف:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
انظر إلى التعبير القرآني: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ). استخف بعقولهم.. واستخف بحريتهم.. واستخف بمستقبلهم.. واستخف بآدميتهم.. فأطاعوه.. أليست هذه طاعة غريبة.. تنمحي الغرابة حين نعلم أنهم كانوا قوما فاسقين. إن الفسق يصرف الإنسان عن الالتفات لمستقبله ومصالحه وأموره، ويورده الهلاك. وذلك ما وقع لقوم فرعون.
يقول تعالى:
فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
 


بدا واضحا أن فرعون لن يؤمن لموسى. ولن يكف عن تعذيبه لبني إسرائيل، ولن يكف عن استخفافه بقومه.. هنالك دعا موسى وهارون على فرعون.
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ
وجاء الإذن لموسى بالخروج من مصر واصطحاب قومه معه.
وكان موقف قومه غريبا.. لم يؤمن كل قومه بعد.. قال تعالى في سورة يونس:
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
انتهى الأمر وقرر الله وضع حد لجرائم فرعون بعد أن أملى له. صدر الأمر لموسى بالخروج. واستأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم، فأذن لهم وهو كاره. وتجهزوا للخروج وتأهبوا له، وحملوا معهم حليهم واستعاروا من حلي المصريين شيئا كثيرا.. وجاء الليل عليهم، فتقدمهم موسى وسار بهم نحو البحر الأحمر قاصدا بلاد الشام. وتحركت رسل فرعون ومخابراته، وبلغت الأخبار فرعون أن موسى قد صحب قومه وخرج.
وأرسل فرعون أوامره في مدن المملكة لحشد جيش عظيم.. وساق فرعون في أسباب جمع الجيش هذه الحجة الغريبة.. قال بالنص.. كما قال عز وجل في كتابه:
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ

 

لقد غاظني موسى.. غاظني شخصيا.. وعددهم قليل.. وغيظنا عليهم كبير.. وهي الحرب إذن. كان فرعون طاغية صريحا.. لم يحاول إخفاء نياته وراء كلمات كبيرة فيقول مثلا إن أمن المملكة مهدد، أو إن النظام الاقتصادي يمكن أن يتعرض للانهيار لو خرجت كل هذه الأيدي العاملة الرخيصة.. أبدا.. لم يقل ذلك واكتفى بالتصريح بأنه مغتاظ.. لقد غاظه موسى.. وهذا سبب كاف لحشد الجيش.
وصدق الناس فرعون للمرة الألف بعد كذبه.. لم يعارضه أحد، ولم يستلفت نظره أحد إلى تفاهة السبب الذي جمع له الجيش.. كان كبرياء فرعون الشخصي هو الأمر الوارد.. وكان يكفي تماما.
تحرك جيش فرعون في أبهته وعظمته وسلاحه وخرج وراء موسى.. جلس فرعون في مركبته الحربية يتأمل الجنود ويبتسم.. ماذا لو أنه فعل ذلك من أول لحظة وانتهى من موسى وقتله..؟ على أي حال.. ها هو ذا في طريقه لقتل موسى وإنهاء المشكلة كلها..
وقف موسى أمام البحر الأحمر.. من بعيد.. ثار غبار قوي يشي بأن جيش الفرعون يقترب.. بعدها ظهرت أعلام الجيش.. وامتلأ قوم موسى بالرعب. كان الموقف حرجا وخطيرا.. إن البحر أمامهم والعدو ورائهم وليست أمامهم فرصة واحدة للقتال.. إنهم مجموعة من النساء والأطفال والرجال غير المسلحين.. سيذبحهم فرعون عن آخرهم..
صرخت بعض الأصوات من قوم موسى: سيدركنا فرعون.
قال موسى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)..
 


لا نعرف كيف كان موسى يحس أو يفكر ساعتها.. غير أنه لم يكد يلجأ إلى الله بهذه الثقة، حتى أوحى الله تعالى إليه أن يضرب بعصاه البحر.. لاحظ انعدام الصلة المنطقية بين ظهور جيش فرعون، وضرب البحر بالعصا.. غير أن مشيئة الله تنفذ لأغرب الأسباب المتعارضة مع المنطق البشري.. لقد أراد الله تعالى أن تقع المعجزة.. فأوحى إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر.. كان ضرب البحر بالعصا مجرد "سبب" رتب عليه الحق انشقاق البحر.. لم يكد موسى يرفع عصاه حتى نزل جبريل عليه السلام إلى الأرض.. ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق البحر نصفين.. انشق عن طريق صلب يابس عن يمينه الأمواج وعن يساره الأمواج.
وتقدم موسى قومه وسار بهم حتى عبر البحر.. كانت المعجزة هائلة.. إن الأمواج كانت تصطرع وتعلو وتهبط حتى إذا جاءت إلى الطريق بدت كأن يدا خفية تمنعها من أن تغرقه أو حتى تبلله.. انتهى عبور موسى البحر مع قومه..
ووصل فرعون إلى البحر.. شاهد هذه المعجزة.. شاهد في البحر طريقا يابسا يشقه نصفين.. أحس فرعون بالخوف ولكنه زاد في عناده وأمر عربته الحربية بالتقدم فتقدم الجيش وراءه.. حين انتهى موسى من عبور البحر.. التفت إلى البحر وأراد أن يضربه بعصاه ليعود كما كان.. ولكن الله أوحى إليه أن يترك البحر على حاله. كان موسى يريد أن يفصل البحر بينه وبين فرعون لينجو قومه.. ولو أنه ضرب البحر بعصاه فعاد كما كان لنجا موسى ونجا فرعون.. وكان الله تعالى قد شاء إغراق الفرعون.. ولهذا أمر موسى أن يترك البحر على حاله.. أوحى إليه سبحانه:
وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ

 


وصل فرعون بجيشه إلى منتصف البحر.. تعدى منتصفه وكاد يصل إلى الضفة الأخرى.. وأصدر الله تعالى أمره إلى جبريل فحرك جبريل الموج.. انطبقت الأمواج على فرعون وجيشه.. وغرق فرعون وجيشه.. غرق العناد ونجا الإيمان بالله..
ورأى فرعون وهو يغرق مقعده من النار.. أدرك وقد انكشف عنه الحجاب، ودخل في سكرات الموت، أن موسى كان صادقا وأنه ضيع نفسه بمعاداته وحربه.. وآمن فرعون.
قال تعالى:
حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وقد كانت توبته غير مقبولة ولا صحيحة. فهي توبة تجيء بعد معاينة العذاب والدخول في الموت. قال له جبريل: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). بمعنى لا توبة..
انتهى وقت التوبة المحدد لك وهلكت. انتهى الأمر ولا نجاة لك.. سينجو جسدك وحده.. ستموت وتقذف الأمواج جثتك إلى الشاطئ.. لتكون آية لمن خلفك.
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ
كان ما وقع لفرعون تحقيقا لسنة أزلية خلت في عباد الله.. لا ينفع الإيمان بعد العذاب.. قال تعالى في سورة غافر:
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ
قص الله تعالى موقف المواجهة بين فرعون وموسى في قوله تعالى في سورة الشعراء:
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
أسدل الستار على طغيان الفرعون. ولفظت الأمواج جثته إلى الشاطئ. لا نعرف على أي شاطئ لفظت الأمواج جثة الرجل الذي يدعي الألوهية. الرجل الذي لم يعارضه أحد! أغلب الظن أن الأمواج لفظت جثته على الشاطئ الغربي.. فرآه المصريون وأدركوا أن إلههم الذي عبدوه وأطاعوه كان عبدا لا يقدر على دفع الموت عن رقبته.
بعد ذلك.. نزل الستار تماما عن المصريين.. لا يحدثنا القرآن الكريم عما فعلوه بعد سقوط نظام الفرعون وغرقه مع جيشه.. لا يحدثنا عن ردود فعلهم بعد أن دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ويشيدون.
يسكت السياق القرآني عنهم.. ويستبعدهم تماما من التاريخ والأحداث.
 

pages      1      2      3

الجزء الاول

الجزء الثالث

 

Copyright © 2008 Mobtker ! Inc. All rights reserved....