|
موسى وهارون عليهما السلام
الجزء الثاني
======================
|
|
انصرف موسى مطمئنا..
وبدت وفود السحرة تصل إلى قصر فرعون. وحين اجتمعوا جميعا أمر فرعون
بإدخالهم عليه. سجد السحرة لفرعون حين دخلوا عليه. أمرهم فرعون بالوقوف،
وراح يتمشى بينهم ويتأمل وجوههم وملابسهم وهو صامت يفكر، ثم وقف فجأة وقال:
أيها السحرة.. نحن نواجه مشكلة صغيرة، وقد أمرت بإحضاركم لحلها..
حنى السحرة رءوسهم واستمعوا.. عاد الفرعون يتحدث: جاءنا رجل يدعي أنه رسول
من الله، رجل اسمه موسى، ومعه أخوه هارون.. وموسى هذا ساحر أمهر منه وأقدر..
يجب أن تهزموه هزيمة مطلقة لا يستطيع رفع رأسه بعدها..
حنى السحرة رءوسهم وظلوا صامتين. قال فرعون: لماذا لم يسألني أحدكم عن سحر
موسى؟!
رد أحد السحرة بهدوء: نحن ننتظر من فرعون العظيم أن يحدثنا بنفسه.. لا نريد
أن نقاطعك يا مولانا.
قال فرعون بغضب: ألقى عصاه فإذا هي ثعبان كبير، ونزع يده فإذا هي بيضاء
للناظرين.
لمعت الابتسامة في وجوه السحرة وقال أحدهم: ليطمئن قلب الفرعون.. هذه لعبة
قديمة، لعبة العصا التي تتحول إلى ثعبان.. إنها لا تتحول إلى ثعبان.. إنما
يخيل إلى الناس إنها تتحرك وهي ثابتة..
قال فرعون: لا أريد أن أدخل في نقاش حول أصول صنعة السحر.. أريد أن تهزموا
موسى.. لقد اتفقنا على اللقاء يوم الزينة.. سيجتمع الشعب المصري كله
ويشاهدكم وأنتم تهزمونه.. يجب أن تغلبوه..
انتهى كلام الفرعون وانتظر أن ينصرف السحرة وظلوا واقفين.. تساءل أحدهم: لم
يحدثنا مولانا الفرعون عن أهم شيء لو غلبنا له موسى.
سأل فرعون مندهشا: ما هو أهم شيء هذا؟!
قال أحد السحرة: أجرنا (إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)..
قال فرعون ضاحكا: سأرضى عنكم، وستكونون من المقربين.. سننشئ وظائف جديدة في
القصر للسحرة.. اطمئنوا تماما للأجر..
ابتسم فرعون وهو يرى وثوق السحرة من أنفسهم، وأمرهم بالانصراف وانصرف هو
إلى مائدة الغداء.. انفتحت نفسه فجلس يأكل.. قال وهو يلتهم فخذ خروف سمين:
انسدت نفسي عن الأكل من يوم أن جاء موسى.. اقتربت نهايته على أي حال..
|
|
قال تعالى في سورة الأعراف:
وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
(104) حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ
جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي
إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ
مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ
مُّبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ
(108) قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ
(109) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
(110) قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ
(111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاء السَّحَرَةُ
فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ
(113) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
وجاء يوم الزينة.. وخرج الناس من بيوتهم وهم يتحدثون عن اللقاء بين موسى
وفرعون.
بدأ الناس يتوجهون إلى مكان الاحتفال منذ الصباح المبكر.. لم يكن هناك أحد
في مصر لم يعرف قصة التحدي واللقاء.. وهلل الناس حين وصل السحرة.. كما
هللوا حين وصل فرعون.. ثم ساد صمت ثقيل حين وصل موسى وهارون.
كان مكان الاحتفال مكشوفا إلا من مظلة فرعونية لتقي رأس فرعون من حرارة
الشمس.. ووقف فرعون وسط أبهته وجنوده وقواده وهو يرتدي الذهب والجواهر،
ووقف موسى مطأطئ الرأس يذكر الله في نفسه.. صمتت الأصوات تماما وتقدم
السحرة إلى موسى..
قال السحرة لموسى: إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ
أَلْقَى
قال موسى: بَلْ أَلْقُوا
قال السحرة: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ
قال موسى: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ
بِعَذَابٍ
قال بعض أهل الحقائق.. التفت موسى فإذا جبريل على يمينه يقول له: يا موسى..
ترفق بأولياء الله.. قال موسى لنفسه: هؤلاء سحرة جاءوا ينصرون دين فرعون..
عاد جبريل يقول: ترفق بأولياء الله.. هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك،
وبعد صلاة العصر في الجنة.
|
|
رمى السحرة بعصيهم وحبالهم فإذا المكان يمتلئ بالثعابين
فجأة..
سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
وهلل المصريون.. وابتسم الفرعون ابتسامة واسعة وقال في نفسه: لقد تم القضاء
على موسى الآن.. إن معجزته أن العصا تتحول في يده إلى حية.. ها هو ذا فرعون
يحضر له عشرات السحرة الذين تتحول العصي والحبال في أيديهم إلى حيات..
زادت ابتسامة فرعون..
ونظر موسى عليه السلام إلى حبال السحرة وعصيهم وشعر بالخوف..
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى
تذكر ما قاله له جبريل وأحس بالخوف.. كيف يمكن أن يدخل هؤلاء السحرة الجنة
ويكونوا أولياء الله.. مثلما يطفأ النور ثانية أو ثانيتين ويسود الظلام..
شعر موسى بذلك.. ولا أحد يعرف حقيقة الأفكار التي عبرت ذهن موسى وهو يقف في
ملابسه الفقيرة مع أخيه أمام كل هذا الحشد العظيم من حرس الفرعون وجنوده..
لم يستمر إحساس موسى بالخوف، عاد النور يضيء داخله والله سبحانه وتعالى
يقول له:
لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ
تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ
السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى
|
|
اطمأن موسى حين سمع رب العالمين يطمئنه.. كفت يده عن
ارتعاشها الخفيفة، ورفع موسى عصاه وألقاها فجأة.. لم تكد عصا موسى تلامس
الأرض حتى وقعت المعجزة..
شاهد الناس والسحرة وفرعون وجنوده شيئا لم يشاهده أحد من قبل في العالم..
المعروف أن الساحر يستطيع أن يخدع أعين الناس ويوهمهم أن الثعبان يتحرك وهو
ثابت، أن العصا تتحرك وهي ثابتة..
لكن ما حدث ساعتها كان شيئا مختلفا تماما..
لم تكد عصا موسى تلمس الأرض حتى تحولت إلى ثعبان جبار سريع الحركة، وتقدم
هذا الثعبان فجأة نحو حبال السحرة وعصيهم التي كانت تتحرك وبدأ يأكلها
واحدا بعد آخر.. راحت عصا موسى تأكل حبال السحرة وعصيهم بسرعة مخيفة..
لم تكد تمضي دقائق حتى كانت الساحة خالية تماما من كل حبال السحرة وعصيهم..
اختفت الحبال والعصي في بطن عصا موسى.. وتحرك الثعبان العظيم نحو موسى..
ومد موسى يده فتحول الثعبان إلى عصا..
وأدرك السحرة أنهم ليسوا أمام ساحر.. إنهم سادة السحر وأعظم العلماء في
زمانهم.. وما رأوه منذ لحظات لا يدخل في باب السحر أو العلم.. إنما هذه
معجزة من الله.. وألقى السحرة أنفسهم على الأرض ساجدين..
قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ
|
|
شهد المصريون وأبناء إسرائيل هذه المعجزة المفاجئة..
شهدوا سجود السحرة لموسى وهارون.. وأحس فرعون أن الأمر يفلت من يده فنهض
واقفا وصاح في السحرة: كيف تؤمنون به قبل أن أعطيكم إذنا بذلك؟
قال السحرة: لا يحتاج الإيمان إلى إذن.
قال فرعون: إنها مؤامرة واضحة..
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
ستقطع أيديكم وأرجلكم.. ستصلبون في جذوع النخل، إنها مؤامرة واضحة..
قال السحرة: افعل ما تريد أن تفعله يا فرعون.. لن نفضلك على هذه المعجزة
الإلهية.. (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا) وما
أجبرتنا..
عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
ولو عذبتنا وقتلتنا وصلبتنا فإنك تعذبنا في هذه الحياة.. وهي لا شيء بجانب
الآخرة.. ونحن نطمع في مغفرة الله ودخول الجنة..
وأصدر الفرعون أمره بصلب السحرة جميعا..
ووقف الناس يتفرجون على ما يحدث.. لم تكن شهادة السحرة لموسى شيئا يستهان
به.. إن هؤلاء هم صفوة المجتمع المصري.. هم علماؤه.. وقد سجد علماء مصر
للحق، فخذلهم الناس وتركوهم لمصيرهم. كان الحق واضحا ورغم ذلك اكتفى الناس
بالفرجة، ولو أن كل واحد من المصريين انحنى على الأرض وتناول قطعة من الطوب
وقذف بها فرعون لسقط فرعون وتغير تاريخ مصر.. ولكن الذي حدث أن أحدا لم
يتحرك من مكانه، اكتفى الناس بالفرجة، ودفع الناس فيما بعد ثمن هذه الفرجة..
غرق الناس فيما بعد ثمنا لجبن يوم واحد.. وأسدل الستار على هذا اليوم
العظيم.. وانصرف موسى وهارون.. وعاد الفرعون لقصره..
حكى الله تعالى في سورة الأعراف ما كان من أمر السحرة وموسى.. قال تعالى:
قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ
الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ
أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا
يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(118) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ
السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ
(121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ
أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ
لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لأُقَطِّعَنَّ
أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ
أَجْمَعِينَ (124) قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125)
وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا
جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
انقلب السحرة المصريون إلى الإسلام الذي جاء به موسى.. آمنوا بالله..
وصعدوا بهم إلى جذوع النخل لصلبهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم، وهم يسألون الله
أن يتوفاهم مسلمين. وفهم موسى معنى كلمات جبريل عليه السلام: "هم من الساعة
إلى صلاة العصر عندك.. وبعدها في الجنة". لم يكد العصر يدخل حتى كانت أجسام
السحرة.. علماء مصر وخيرة عقولها.. كانت أجسادهم تشخب دماء وهي مصلوبة
يثبتها جنود الفرعون بالسهام القوية..
|
|
انكفأ فرعون على مشكلته الجديدة..
بدأت سلسة اجتماعات خطيرة في قصره.. استدعى المسئول عن الجيش والشرطة..
واستدعى -ما نسميه اليوم- مدير الاستخبارات، واستدعى الوزراء والأمراء
والكهنة.. وراح يستدعي كل من يملك قوة للتأثير في سير الحوادث، أو يتصور
أنه يملك هذه القوة.
سأل الفرعون مدير استخباراته: ماذا يقول الناس؟
قال: نشر رجالي بينهم أن كسب موسى للمباراة كان مؤامرة دبرها معه كبير
السحرة. وقد تم كشف المؤامرة التي يعتقد أن جهات مجهولة تمولها.
سأل الفرعون مدير الشرطة: ماذا تم في جثث السحرة؟
قال: علقها رجالي في الميادين العامة والأسواق لإرهاب الناس، ونحن نشيع أن
الفرعون يقتل كل من له علاقة بالمؤامرة.
سأل الفرعون قائد الجيش: ماذا يقول الجيش؟
قال: يتمنى أن تصدر له الأوامر للحركة في أي اتجاه يحدده الفرعون.
قال فرعون: لم يأت دور الجيش بعد.. سيأتي دوره.
سكت فرعون.. وتحرك هامان كبير الوزراء ورفع يده يطلب الكلمة.
سمح له فرعون فقال هامان: هل سنترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويتركوا
عبادتك؟
قال فرعون: أنت تقرأ أفكاري يا هامان. سنقتل أبنائهم ونستحيي نسائهم وإنا
فوقهم قاهرون.
|
|
أصدروا التعليمات بذلك. وانطلق رجال الفرعون يقتلون
الأبناء وينتهكون النساء ويسجنون من يعترض. ووقف موسى يشهد ما يحدث دون أن
يملك التدخل أو يقوى على دفعه.. كل ما فعله أنه أمر قومه بالصبر.. أمرهم أن
يستعينوا بالله ويصبروا على المحنة.. ضرب لهم مثلا بالسحرة المصريين الذين
احتملوا في الله ما احتملوه بغير شكاة. أفهمهم أن جنود فرعون يتصرفون في
الأرض كما لو كانت الأرض ملكا خاصا لهم، غير أن هذا ليس صحيحا.. سيرث هذه
الأرض من يتقي الله..
وأشاع إرهاب الفرعون في نفوس بني إسرائيل روحا من الانهزام والتشاؤم.
وقالوا لموسى: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.. كانت الأنبياء
تقتل قبل مجيئك وبعد مجيئك إلينا. كأنهم يقولون له إن وجودك لا يؤثر في شيء..
نحن وحدنا تماما. ورد موسى جهلهم وأفهمهم أن الله سيهلك عدوهم ثم يستخلفهم
في الأرض فيرى كيف يعملون.. غير أنهم استمروا على شكايتهم وتأذيهم.
وبدا موقف موسى صعبا.. إنه يواجه غضب الفرعون ومؤامرته، وتذمر قومه في
الوقت نفسه.. ووسط هذه الظروف تحرك قارون.. كان قارون من أبناء إسرائيل.. (كَانَ
مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) إن ثرائه وظروفه جعلاه أقرب طبقيا
وعاطفيا إلى نظام فرعون.
يحدثنا الله عن كنوز قارون فيقول سبحانه وتعالى إن مفاتيح الحجرات التي تضم
الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء. ولو عرفنا عن مفاتيح
الكنوز هذه الحال، فكيف كانت الكنوز ذاتها؟! كان لقارون عدد عظيم من الخيل
والمركبات والرجال والحرس، وكانت مركباته مطعمة بالذهب والفضة. وكانت سروج
خيله المطهمة مصنوعة من الجلد المزين بالذهب والفضة وبالبرونز والنحاس.
وكان قارون إذا خرج في زينته، تلألأ الذهب والنحاس تحت أشعة الشمس، وخطف
الوهج أبصار أهل الدنيا..
وكان طبيعيا أن يملك قارون مع أمواله كبرياء لا يفلح معها نصح. ويبدو أن
ثراءه وكبرياءه أسلماه معا لإحساس متصل بالفرح. صارت ضحكته أشهر ضحكة في
بني إسرائيل، وصار موكبه أشهر المواكب بعد موكب فرعون وموكب هامان. كان
الاثنان يملكان مصر كلها، ولم يكن قارون يملك غير جزء من مصر على أي حال..
ويبدو أن العقلاء من قومه نصحوه أن يفكر قليلا في آخرته، ولعلهم قالوا له:
إن أحدا لا ينصحك بترك الدنيا كلها والانخراط في سلك الزاهدين. إنما نصحوه
ألا ينسى نصيبه من الدنيا، وكان هذا النصح مأخوذا به ولا حاجة إليه، كما
نصحوه ألا ينسى نصيبه من الآخرة.. ويبدو أن قارون اكتفى بنصيبه من الدنيا،
وأوهمه عقله أن هذا الثراء جاء بسبب علمه، كما أوهمه ثراؤه أن الله يحبه..
وذهبت به الظنون إلى أنه أفضل من موسى.. إن موسى فقير وقارون شديد الثراء.
كيف يكون الفقير الذي لا يرتدي أسورة واحدة من الذهب، أفضل عند الله من
الغني الذي يصنع سروج خيله من الذهب؟
|
|
هكذا اتفق قارون مع فرعون في نظرته إلى موسى.. وكان فرعون يحكم على الأفراد
من واقع ثرائهم المادي، كدأب الجاهلين.
هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
كانت هذه كلمة فرعون عن موسى.. اتفق رأيا فرعون وقارون بالنسبة لموسى..
وكان قارون بحكم مركزه وثرائه صديقا لفرعون ونظام حكمه. ويبدو أن قارون
وفرعون وهامان لم يكونوا وحدهم سجناء هذا الوهم. كان قوم فرعون.. أي
المصريون ينظرون إلى موسى نظرتهم إلى ساحر هزم سحرتهم.. ولا يعني هذا أن
مصر أجدبت أو خلت من الفضل، كان في المصريين من يؤمن بموسى، ويخفي إيمانه
خشية بطش الفرعون. وكان في قوم موسى من ينظر إلى موسى وقارون ويقارن بينهما،
وكان هناك من يتساءل ببلادة: إذا كان الله يحب موسى حقا فلماذا جعله فقيرا؟!
ويبدو أن قارون كان فتنة لقومه، وللمصريين على السواء. كان إذا خرج في
زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا:
يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
|
|
وكان العقلاء رغم قلتهم يرون أن ثراء قارون العظيم لا
يعني شيئا في ميزان الله، لا يرى الله الفضل في الذهب والكنوز واللآلئ
والدرر والماشية، إذا كانت النفوس قد أظلمت من الداخل. وكان موقف موسى صعبا
وسط هذه الظروف كلها.
وفي هذه اللحظات الحرجة، تحرك قارون ضد موسى. كان موسى كنبي، رجلا يتصف
بالنقاء العظيم. ويبدو أن قارون اتفق مع فرعون على محاولة إسقاط موسى في
عيون اتباعه، عن طريق اتهامه بتهمة تخل بالنقاء. وهكذا فوجئ موسى يوما وهو
يقف وسط قومه، ويدعوهم إلى الله، فوجئ بامرأة بغي تقذفه بتهمة مؤداها أنه
كان في فراشها أمس.
ونحسب أن موسى فوجئ بهذه التهمة، ولم يعرف ماذا يقول فيها، أو كيف يدفع عن
نفسه اتهام البغي.. وأغلب الظن أنه صلى لله ثم أقبل عليها فسألها: لماذا
تتهمه بما لم يحدث؟ وانهارت المرأة باكية مستغفرة تحدثه أن قارون أعطاها
نقودا مقابل إلصاق هذا الإفك بموسى.. ودعا موسى على قارون..
وشاء الله تعالى أن تقع معجزة تضع الأمور في أماكنها الصحيحة وتبين للناس
أن الله هو القادر القاهر، وأن المال فتنة وليس فضلا تقاس به أقدار الناس.
وكانت هذه المعجزة هي خسف الله لقارون وداره وكنوزه..
خرج قارون على قومه في زينته.. فانشقت الأرض تحت قدميه وهوى في الأرض.. لا
نعرف أكان ذلك زلزالا ينتظر منذ خلق الأرض لحظة ميلاده ليقع، أم كان ذلك
زلزالا أمره الله أن يقع في هذه اللحظة.. كل ما نعرفه أن الأرض انشقت
وابتلعت معها أرضه وقصوره وماشيته وذهبه وفضته وكنوزه ورجاله.. وتقول بعض
الأساطير إن ذلك كان في الفيوم.. وان بحيرة قارون التي يعرفها المصريون
بهذا الاسم.. كانت هي موضع أرض قارون وقصوره وكنوزه.. وعلى أي حال.. إن
النص القرآني لا يحدد مكان هذا الخسف، ولا يحدد زمانه.. إنما يحكي ما وقع
فحسب.. وليس تحديد المكان أو الزمان يعني شيئا إلى جوار العبرة المستخلصة
مما حدث.
|
|
قال تعالى في سورة القصص:
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى
عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ
بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ
اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي
الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ
الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ
لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ
ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا
إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا
كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
المُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ
يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ
عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا
وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
وقف كثير من القدماء أمام هذا العلم الذي أدعى قارون أنه قد أوتيه. قال
بعضهم إن هذا هو علم الكيمياء الذي يتحول بسببه النحاس إلى ذهب، وقال بعضهم
إنه كان يعرف اسم الله الأعظم، فاستخدمه في تحويل المواد إلى ذهب. وأنكر
عليه العقلاء من القدماء أن يعرف اسم الله الأعظم، وهو منافق، كما أنكروا
عليه صنعة الكيمياء..
ونحسب أن هذا كله أساطير لا تصلح لتفسير أسباب ثرائه، نعتقد أنه كان رجلا
ظالما، ورث ضياعا واسعة فاستغلها في تنمية ثروته، ولا بأس بعمل غير مشروع
هنا ولا بأس من صداقة الفرعون والتسهيلات التي تتيحها مثل هذه الصداقة. ولا
بأس من الوقوف ضد موسى، إذا كان ذلك يتفق مع المصلحة. ولا بأس من ظلم هنا
وهناك.. بعدها يكون من المنطقي أن يقول إنه أوتي أمواله على علم عنده.. لقد
أجهد الرجل نفسه في الكذب والظلم حتى صنع ثروته.
pages
1
2 3
الجزء الاول
الجزء الثالث
|